شارل سان برو وحديث تجديد الخطاب الديني

شارل سان برو وحديث تجديد الخطاب الديني

إميل أمين

ضمن أهم القضايا التي باتت تفرض ذاتها فرضا شديد الأهمية على واقع العالم الإسلامي في حاضرات أيامنا، تلك المرتبطة بمفهوم الإصلاح في العالم الإسلامي، ولا نقول في الإسلام، فالإشكالية ترتبط بفهم صحيح الدين الحنيف، وقواعده ومبادئه الثابتة، ولهذا تبقى عملية التجديد للعودة إلى حالة النقاء الأولى في زمن النبوءة هي الشغل الشاغل للمجددين والمصلحين في الإسلام، وهي عملية مرت تاريخيا بعدة مراحل، وها نحن الآن علي أعتاب مرحلة جديدة منها.

ولعل ما يستلفت النظر في قضية التجديد والإصلاح في العالم الإسلامي، أن الدعوة إليهما لم تعد قاصرة على العرب والمسلمين أصحاب الإيمان والمعتقد واليقين، بل أضحينا نستمع إلى دعوات مماثلة تخرج من الغرب، وهذا ما رأيناه مؤخرا فقد كتبت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية مؤخرا تقول: “الإسلام يحتاج إلى إصلاح من الداخل”، فيما أشارت صحيفة الهافينجتون بوست الأمريكية بعد مجزرة باريس إلى أن “الإسلام يحتاج إلى الإصلاح”، من الداخل.

على أن السؤال المطروح ما الذي دعا ويدعو الداخل الإسلامي والخارج الغربي والشرقي للحديث عن مرحلة جديدة من مراحل الإصلاح الحتمية؟

باختصار غير مخل يمكننا أن نجمل الأمر في حالة الانتكاسة والردة الحضارية التي يعيشها قطاع كبير في العالم الإسلامي، قطاع أفرز حركات الإسلام السياسي، تلك التي ولدت رؤى متطرفة وعنيفة، وجدت من يتلقفها حول العالم لتحقيق مصالحه الإستراتيجية، فأخذ يغزل خيوطها، وينسق خطوطها، لتظهر لنا القاعدة تارة، ثم داعش تارة أخرى، وما بينهما تسود موجة عاتية من الشطط والغلو، في ظل فتاوى منفلتة، وأكثر من نموذج أسلامي متحجر لا علاقة له بسماحة الإسلام أو قبول الآخر كما في زمن الرسالة الأول، مدعومة تلك النماذج بهوائيات وفضائيات يعتلي منابرها أصحاب الرايات الفاقعة والأصوات الزاعقة، الأمر الذي جعل الإسلام عصيا على الإدراك عند أهله، غريبا لدى الآخرين، وبات المسلمون فرقا متناحرة في الحال، ومتقاتلة في الاستقبال، حتى ضمن المذهب الواحد، يكفر بعضهم بعضا، ويستحل بعضهم دماء بعض.

هل يبقى المسلمون مستسلمون لحالة الغرق في البئر التاريخي من غير محاولة جديدة وجدية للإصلاح الذي يتصل بالشكل والمظهر لا بالمتن والجوهر؟

من أفضل العقول الفكرية التي تناولت مسألة العالم الإسلامي والحاجة إلي الإصلاح، يأتي البروفيسور “شارل سان برو” مدير مرصد الدراسات للجغرافيا السياسية بباريس، ففي كتابه العمدة “حركة الإصلاح في التراث الإسلامي”، ندرك أن مسألة الحاجة إلي الإصلاح ليست حديثة، ففي القرن الثامن عشر، شهد العالم الإسلامي أزمة لم يسبق لها مثيل، ولا يتعلق الأمر فقط باختلافات بين علماء أو بين اتجاهات فكرية، بل يتعلق بتحجر يرتبط بالشكل بطريقة واضحة.

ونظرا لأن الإمبراطورية تقوم على نظام بيروقراطي شامل، انتهت بتصوير الإسلام علي أنه مجرد أداة لإضفاء الشرعية علي السلطة. وأدت نكسة الإمبراطورية في مواجهة القوى الأوربية إلى طرح مشكلة قدرتها في الحفاظ على دار الإسلام.

وفي سياق الاضمحلال الأخلاقي والفكري، من جانب، والانقسام السياسي من جانب آخر، ظهر مصلحون، وفقا للدعوة النبوية يعملون علي مناهضة الأخطاء المؤسفة وإحياء الدين، وقد بين الباحث المغربي الشاب “رشيد ابن زين”، المقيم في فرنسا في كتابه “المفكرون الجدد في الإسلام” أن هذا التراجع للحضارة الإسلامية أوجد تيارا إصلاحيا، قائلا: “اعتبارا من القرن الثامن عشر نشأت داخل العالم الإسلامي المسلم، حركات كانت تهدف إلى التصدي لهذا التفكك السياسي والتراجع الثقافي، والاجتماعي، والأخلاقي.

ونشرت هذه الحركات الكثير من النية في تجديد العالم الإسلامي، وكانت تؤكد على أن سبب الاضمحلال يكمن في أن المسلمين ابتعدوا عن الدين الخالص، فدعت إلى العودة إليه، وإلى كبار المفكرين الدينيين  من السلف وإلى الإسلام الأول، الإسلام الأصيل.

من ذلك الوقت بدأ بعض المفكرين حركة الإصلاح الإسلامي التي تهدف بصفة أساسية إلى أحياء الدين الإسلامي.

هل حان الوقت المناسب للقضاء علي الخرافة التي تدعي أن الإسلام عاجز عن التطور؟

لنستمع سوية إلى ما قاله المفكر الفرنسي الكبير، صديق الإسلام والمسلمين والذي ترجم معاني القرآن الكريم إلى اللغة العربية في واحدة من أفضل الترجمات، لقد أبرز “جاك بيرك” بوضوح ديناميكية الإسلام قائلا: “يبدو لي أن الإسلام كنظام، أراد أن يعيد للعالم شبابه في عصر يعاني فيه العالم من الضجر”.

إلا أن هذا العالم يعاني من ضجر كبير علي المستوى الأخلاقي والروحاني، والأمر المطروح حاليا هو البحث عن هويته الديناميكية، وربما من خلالها، يقدم مقترحا بنماذج جديدة لحياة العالم، وبفضل قيمه الروحانية وانجازات حضارة عظيمة يحتفظ الإسلام، بقدرته الدائمة الثابتة على التنمية والإبداع والابتكار بما في ذلك المجال الفقهي من خلال الاجتهاد في الشريعة والتطبيق من أجل أحياء الفقه.

والشاهد أن فكرة الإصلاح في الإسلام قد بدأت تتحول إلى فكرة سيئة السمعة بقدر ما ارتبطت ارتباطا غير إيجابي أو خلاق، بالأطروحات والضغوطات الغربية، والتي تماست كثيرا مع إشكالية الجهاد المغشوش، والفوضى الخلاقة المدمرة، والديمقراطيات المنحولة المفككة والمفخخة للدول والأوطان، ولهذا ربما يستوعب المرء حالة الرفض لفكرة الاستفادة من مراحل الإصلاح الثلاث في المسيحية.

في هذا السياق أيضا لا ينبغي على الغرب أن يكون أداة معطلة للإصلاح، وهذا أمر يتطلب فهما واسعا للعقلية العربية والإسلامية، وعلى القوى الغربية الفاعلة والمؤثرة كما يقول “شارل سان برو” أن لا تسعى إلى فكرة فرض الإصلاح دينيا أو سياسيا، فالأمم الإسلامية لا تحتاج إلى مبشري الكلمة الطيبة الغربية، لأنه لا توجد صيغة يمكن نقلها من بلد لآخر.

والإصلاحات هي مسئولية المسلمين وحدهم، وينبغي عليهم تقرير أسس ملامح إسلام الغد، وينبغي أن يفعلوا ذلك دون مشاكل ويتذكروا أنه بين القرن السابع والثامن، كانت أوربا تتحسس في الظلام وأن الاجتهاد المبني على القرآن والسنة سمحا باستخلاص قوانين تقدمية تتعلق بالحياة الاجتماعية وكرامة الإنسان.

كان الإسلام إصلاحيا منذ بداياته، فقد طرح مبدأ المساواة المطلقة بين البشر، بغض النظر عن الوطن أو الجنس، ومساواة الجميع أمام القانون، ودافع عن كرامة المرأة وقبل حرية العقيدة ومارس السماحة نحو الديانات الأخرى، وأكد على حرية الفكر وحث كل مؤمن على المؤاخاة والتضامن الفعال لأعضاء المجتمع، لقد كان إصلاحيا في زمن الجاهلية، وسعى إلى بلورة نموذج للمدينة الفاضلة، ولهذا السبب يحتاج الإسلام إلى مصلحين جدد على غرار الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، أو محمد إقبال، ولا يقصد بذلك تقليدهم، أو اعتبار أن أفكارهم، المتأثرة بالزمان والمكان، ينبغي أن تتبع في كل شيء لكن أتباع منهجهم المبني على بذل الجهد في الفهم والتفكير، ولتعويض الجمود الذي أصاب الفكر الإسلامي، والهروب من أيديولوجية الإنكار التي روجها المتحالفون مع الغرب.

يحتاج الإسلام إلى حكماء جدد يؤكدون على رسالته الحية والأبدية ويقدمون حلولا تتكيف مع المواقف الجديدة، وذلك من خلال ممارسة الاجتهاد في ضوء القرآن والسنة.

ومازال الإسلام يحتاج إلى الاجتهاد كما يؤكد المفكر التونسي الكبير “العفيف الأخضر” إلى الاجتهاد لتحقيق الإصلاح لمواصلة الجمع بين السلفية التي تختلط بالفلكلور القديم، والتقدم الذي لا يعني المثاقفة والبدع المكروهة، ويتطلب ذلك رفض شكلي التقليد اللذان يهددان الإسلام المعاصر، وهما: “التقليد الأعمى للماضي والعادات العرفية دون أساس ديني، والتقليد الأعمى للغرب”.

وتبقى القضية مفتوحة للمزيد من الاجتهادات.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية